سباق الحیاة

قال كثیرون إن الأمر مستحیل. فكلُّ الذین حاولوا قب لَھ مرة بعد مرّة قد فشلوا. كان الھدفُ
قریبًا بشكلٍ مغرٍ، ومع ذلك كان بعیدَ المنال. كان ح لُم كلِّ عدّائي المسافات المتوسطة أن
یركضوا میلاً كاملا في أقل من أربعِ دقائق. كان الرقم القیاسيّ ما زال ثابتًا على التوقیت
4:01.4 منذ العام 1954 . لكن من مطلع العام 1950 ، تعاقب المتنافسون على محاولة
تحقیق ھذا الحلم، ومن بینھم جوني لاندي من أوسترالیا و ویس سانتیھ من الولایات
المتحدة، اللذَ ین أقتربا كثیرًا من ھدفھما وسجّلا 4:03.6 و 4:02.4 و 4:02.0 . وكان
العدّاءُ الإنجلیزي رودجیر بانیستر یراقبُ النتائجَ تقترِ بُ من الرقمِ القیاسيّ أكثرَ فأكثر،
وھو یعلمُ أنھ إذا أرادَ أن یحظى بفرص تِھِ لكسرِ الرقم القیاسي، علیھ أن یشتركَ في السباقِ
في مدة قصیرة.
وكشابٍ ھاوٍ واعد، كان بانیستر من بین الأفضل، وحصدَ الإعجاب في سباقات ال 1500
متر، (المیل المتري)، في الألعاب الأولمبیة التي جرت العام 1952 في ھلسینكي فنلندا.
لكن تمت إضافة سباقٍ جدیدٍ لم یكن یتوقعُ ھ على جدولِ المباریات نّصف النھائیة. ومع
أنھ تأھلَ للنھائیات، إلا أن السباقَ الإضافيِّ كان قد استنزفَ طاقة بانیستر. وبعد أن جاھدَ
في میدانِ سباقٍ عویص، أتت النتیجة مخیّبة للأمالِ وحلَّ في المرتبةِ الرابعة.
كان على بانیستر أن یختار. فھو تخلّى في السابق عن فرصةِ الاشتراكِ في المنافسة في
الألعاب الأولمبیة التي جرت في لندن السنة 1948 ، لأنھ اعتبر نفسھ صغیرَ السنِّ وعدیمَ
الخبرة. بعدھا خاضَ غمارَ مھنةِ الطب. لكن المطالب المتزایدة لعم لِھِ دوامًا كاملاً في
حقلِ الطب، كانت تعني أنھ لن یستطیعَ أن یتدرّبَ كما یجب لیشتركَ العام 1956 في
ألعاب ملبورن في أوسترالیا. كان بانیستر یفكّرُ في التخلّي عن الركض. لكنھ بعد شھرین
من المشاورات، قرّرَ أن یضعَ نُصبَ عینیھ ھدفَ كسرِ الرقمِ القیاسي في الركضِ میلاً
واحدًا في مدة أربع دقائق.
المحاولاتُ التي قام بھا في العام 1953 ، جعلت بانیتسر یقتربُ من الرقمِ القیاسي،
وأقنعَ تھ بأن تلك الدقائق الأربع ھدفٌ یمكن تحقیقُھ. وھكذا، یوم السادس من أیار عام
1954 ، شدَّ بانیتسر رباط حذا ئِھِ وھو یقفُ في میدان سباق آیفلي رود في أوكسفورد.
وكان یركضُ لصالحِ مؤسسةِ الریاضیین البریطانیینَ الھواة، في سباقٍ ضدّ جامعةِ
أكسفورد. كان یومًا باردًا وماطرًا، وكانت الریاحُ العاصفة تھدّدُ بجعلِ ظروفِ الركض
تعاكسُ ھ .
وصلَ بانیستر وھو یل بَسُ حذاءً خاصًا بالركض مَصقولا ومغطى بالجرافیت لمنع الط مي
من التراكمِ علیھ. وبینما كان موعدُ الإنطلاقِ عند السادسة مساءً یقترب، أخذَ یشعرُ
بالقلقِ من الطقس ویفكّرُ بالانسحاب. لكن مدرّ بَھ كان مقتنعًا أن ھذا الیومَ یمثّلُ أفضلَ
فرصةٍ لھ. وما أن بدأتِ الریاحُ تھدأ، قبل وقتِ الإنطلاقِ مباشرة، قرّرَ بانیستر أن یغت نِمَ
فرص تَھ .
بعد دقائق قلیلة من التوتر بسببِ انطلاقٍ خاطئ، بد أَ السباق. احتمى بانیستر خلفَ محدِّ د
قیاسِ الخطوات كریس براشر الذي قاده في أولِ لفّ تَین. عندما وصلا إلى إشارةِ منتصفِ
الطریق، كان التوقیت یسجّل 1:58 . خرج براشر واستلم تشاتاواي مَ ھمَّ ة تحدیدِ قیاسِ
الخطوات، وقادَ بانیتسر في اللف ةِ التالیة حتى أصبحَ التوقیت 3:00.7 . والآن على
بانیستر أن یركضَ ال لَّفة النھائیة في أقلَ من 59 ثانیة.
أكمل تشاتاواي في الطلیعة حتى المرحلة الأخیرة قبلَ أن یخرجَ من الحلَبة، تاركًا
بانیستر لیخوضَھا لوحدِ هِ . عندما ابتدأَ بلفّ تِھِ الأخیرة، كان على بانیستر أن یقطعَ مسافة
275 مترًا تقریبًا. وبینما كان شریط النھایةِ یقترب، اندفعَ بانیستر وع بَرَ خط النھایة، من
ثم انھارَ من شدّ ةِ التعب.
انتظرت الجموعُ بقلق بینما كانت تترقّب ما سیعلنُھ مذیعُ السباقِ . أخیرًا أُعلِنَتِ النتیجة:
“التوقیت ھو 3…”، لكن المذیعَ لم یستطعْ أن یُكمل الإعلانَ لأنّ الحشودَ ثارت فرحة .
أما بانیستر وباشر وتشاتاواي، فقفزوا قفزة الإنتصار. لقد تحقّقَ الح لُمُ المستحیل.
دقائقُ رودجیر بانیستر الأربع كانت إنجازًا ریاضیًا مجیدًا. إنھا تخبرُ نا عن العملِ الشاق،
وعن التخطیطِ والتدریبِ الدَّ قیق ین، وعن العزمِ والتصمیم. ھذه ھي الصفات التي خَ دَ مَ ت
بانیستر جیدًا في مھن تِھِ كعدّاء، وأیضًا في مھن تِھِ الطبیّة. إن صفا تًا كھذه لھي نافعة في
حیا تِنا نحن أیضًا، لأنھ غالبًا ما تُشبّھ الحیاة بالسباق. ھناك بدایة وھناك نھایة، والكثیرٌ
من الجھود تُبذلُ ما بین ھذه وتلك. وإذا كانت الحیاة سباق ا نركضُ فیھ كلنا، فما ھو الھدف
الذي نركض نحوه ؟ أین ھو خطُّ النھایة؟ یُمكنُ أن تكونَ الحیاة مُ تعِ بة، فنحن نتعبُ ونریدُ
أن نُ بَطِّ ئَ سیرَ نا. لكننا مع ذلك نَمضي ق دُ مًا. لكن ما ھو الذي نسعى نحوه؟
معظمُ الناس عبر التاریخ آمنوا ویؤمنون بنوعٍ من الحیاةِ بعد الموت. یؤمنُ البعضُ
بالكارما وبالتقمّص، حیث نعودُ إلى الحیاةِ في دورة لا تنتھي، وحیث أعما لُنا في حیاةٍ ما
تحدّدُ وضعَ نا في حیاةٍ مقبلة. معظمُ الناسِ یؤمنونَ بنوعٍ من الجنة، بحالٍ من النعیم. أما
اختلاف ھم فھو حولَ طریقةِ الوصولِ إلى ھناك.
بالنسبة للمسیحیین، فالأجوبة على ھذه الأسئلة موجودة في الكتاب المقدس. الكتابُ
المقدس ھو أكثر الكتبِ مبیعًا في التاریخ؛ وھو كذلك لسببٍ وجیھ: إنھ كلمة لله للبشر
ووح یُھ الكاملِ الموثوقِ بھ. وھو یحتوي على معلوماتٍ أساسیة بالنسبة لنا، لكي نعرفَ
ونقدّمَ أجوبة على الأسئلةِ التي نطرحُھا ك لُّنا. إنھا الخارطة التي ترسُ مُ لنا الطریقَ لكي
نسیرَ في السباق الذي ندعوه الحیاة.
عندما تفتحُ الكتابَ المقدّس، ستجد أنھ یحتوي على ق سمین، العھد القدیم والعھد الجدید.
والقسمان یضمّان ستة وستون سفرًا، كت بَھا عدة أشخاص خلال فترة زمنیة امتدّت حوالي
1500 سنة تقریبًا. وھذه الكُتیّبات تختلفُ في محتواھا من التاریخِ إلى النبوّ ة والشعر
والسِّ یَرِ الذات یّة… لكنھا كلھا تخبرُ قصة لله وتعاملا تِھِ مع شع بِھِ .
العھدُ القدیم ھو قصة شعبِ لله قبلَ مجيء یسوع. ویحتوي على تقاریرَ عن انتصارا تِھم
وھزائمِ ھم؛ فنسمعُ ھم یبتھجونَ ویستنجِ دون؛ نرى لله یقاصِ صُ ھ م على عصیا نِھم وینقذُ ھ م
من أعدا ئِھم. ومن خلال كلِّ ذلك نرى عنایة لله بشع بِھِ ، ونسمعُ ھ یعِ دُ بأنھ سیخلّصُ شع بَھ تمامًا وبشكلٍ نھائيّ بمخلّصٍ سیأتي.
ذاك المخلّصُ ھو یسوعَ المسیح. كان رجلاً عاشَ في فلسطین منذ ألفي عام. لكنھ لم یكن
مجرّد رجل، بل كان لله الذي ظھرَ في الجسد. نجدُ في العھدِ الجدید قصتَھ التي تخبرُ نا
من ھو وماذا فعل عندما كان على الأرض. من ثم تخبرُ نا ما قا لَھ وفع لَھ أتباعُ ھ بعد أن
صَ عدَ إلى السماء.
یسوعُ ھو في صلبِ الإیمانِ المسیحي. والكتاباتِ التي و ثَّق تْ من ھو یسوع وماذا فعلَ
لشع بِھِ تدعى الإنجیل، ومعناه الأخبار السارة. الأخبار السارة تعني أنھ یمكننا أن نتحرّرَ
بعد ‹ من الخطیة وأن نتصالحَ مع لله. وكنتیجةٍ لھذا، یتطلّعُ المسیحیون إلى لقا ئِھم با
الموت لكي یعبدوه إلى الأبدِ بفرحٍ لا ینتھي. ولله، لأنھ إلھ محبٌّ ورحوم، قد أمَّ نَ لنا
الوسیلة عبر الإنجیل لكي نكون معھ بالرغم من العوائق الكبیرة التي تنتظرنا في
الطریق. أما الطریق، فنحن نسلُكُھا من خلال یسوع المسیح.
كتب الرسول بولس، وھو أحد أتباعِ یسوع وكاتبُ جزءِ كبیرٍ من العھد الجدید، قائلاً:
“لَكِنِّي أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُ ٱلَّذِي لِأَجْلِھِ أَدْرَكَنِي أَیْضًا ٱلْمَسِیحُ یَسُوعُ “. یتحدّث بولس عن
الحیاةِ بعد الموت والنعیمِ الأبديِّ في السماء. ومحورُ جھودِ ه ھو یسوع المسیح، فبولس
یسعى ق دُ مًا لأنھ ینتمي إلى یسوع. لقد تحوّلت حیا تُھ بفضل یسوع، والآن أصبح یعیشُ
حیا تَھ لھدفٍ جدیدٍ وضعھ نصب عینیھ.
الحیاة المسیحیة مؤسسة على الإیمان بیسوع المسیح، مما یعني أن ھناك أشیاءَ على
المسیحیین أن یؤمنوا بھا لكي یُدعوا مسیحییّن. ویسوعُ المسیح – من ھو وماذا فعل
عندما كان على الأرض- ھو في مركزِ الإیمان المسیحيّ . عبر تاریخ الكنیسة، اجتمع
المسیحیونَ معًا وكتبوا شھاداتٍ تصفُ بالضبط ما یؤمنونَ بھ، على أساسِ تعلیمِ الكتابِ
المقدّس. ھذه المدوّنات التي تُلخِّصُ الإیمان المسیحي ھي مفیدة، للمؤمنین ولغیر
المؤمنین على السواء، في مساعد تِھم على فھم ما یعنیھ أن نكونَ مسیحیین.
قانونُ الإیمان ھو أحد شھادات الإیمان الأولى تلك. ویعودُ تاریخُ ھ إلى نحو السنة 400
میلادیة، أي بعد زمن المسیح بحوالي 300 سنة. وتشیرُ التسمیة “قانونُ إیمانِ الرسل”
إلى أنھ یلخّصُ تعلیمَ الرُ سُ لِ الذین كانوا أتباعَ المسیح والذین ع یَّ نَھ م خلفاءَ لھ.
سنحاولُ ، في الأجزاء التالیة من ھذا الكتاب، أن نساعدَ القارئ على ف ھم قانونِ إیمانِ
الرسل. وسنتناولُ بالتفصیلِ كلَّ فكرة موجودةٍ في قانونِ الإیمانِ ھذا، موضِّ حینَ معانیھا.
ھدف نا أن نُقدّمَ للقارئِ فھمًا واضحًا وموجزًا لأسُ سِ الإیمانِ المسیحيّ ، وما یعنیھ أن
نركضَ في سباقِ الحیاة، وفقًا لإیماننا في المسیح وبحسب تعالیم الكتاب المقدّس.